عالم ما بعد غزة

.د.ب5.500

قد يشكل «طوفان الأقصى» أكتوبر/ تشرين أول ٢٠٢٣ م، وما أعقبه من حرب إبادة على قطاع غزة (٢٠٢٣-) قطيعة تاريخية، لا يمكن فهم طبيعتها بتحليل سياسي تقليدي. إنها ليست مجرد «أزمة إقليمية عابرة» أو جولة جديدة من «الصراع العربي الإسرائيلي»، بل هي لحظة فارقة، ساهمت في الإعلان عن ارتحال عالم قديم وبدء ميلاد جديد، لم تتحدد معالمه بالكامل بعد.

هذا الكتاب «عالم ما بعد غزة»، ليس محاولة لرصد الأحداث أو تسجيل وقائع، بل هو تشريح منهجي وتحليل بنيوي للتحولات العميقة التي ضربت الأسس الفكرية والأخلاقية والجيو سياسية للنظام العالمي الذي ساد منذ نهاية الحرب الباردة ١٩٩٠ م، إنه محاولة للإجابة على سؤال مفصلي: ما هي الارتدادات الفكرية والجيو سياسية التي لا رجعة فيها لهذه اللحظة، وكيف يمكن قراءة المستقبل في ضوء صناعة التوحش التي كشفت عنها محرقة غزة؟

أُقدِّم هذا العمل للقارئ، باعتباره خريطة مفاهيمية، تسعى إلى تفكيك طبقات الأزمة المتعددة: من التحدي الوجودي للفكر الليبرالي الغربي، مرورًا بإعادة اصطفاف القوى الجيو سياسية، وصولًا إلى التحليل البنيوي للإبادة الجماعية كمنتج وظيفي داخل الرأسمالية المأزومة. وقد اعتمدنا في تأسيس منهجية التفكير في هذه القضايا على أبعاد ومستويات متعددة: فكرية وتاريخية وجيو سياسية.

إن هذا الكتاب يمثل جهدًا نقديًّا شاملًا لتشريح الزلزال الفكري والسياسي والجيو سياسي العميق الذي أحدثته هذه الأحداث، والذي ساهم في إعادة تشكيل المشهد العالمي والإقليمي بشكل جذري. لقد أدى النطاق الكارثي للقتل الجماعي والأزمة في غزة إلى تغيير الوعي العالمي، بشكل لا رجعة فيه، مما يتطلب إعادة تقييم جذرية للروايات الراسخة، والأنظمة الدولية القائمة، والمبادئ الأساسية للقوة.

يفترض الكتاب، أن عالم ما بعد غزة ساهم في الكشف عن الأزمة عميقة الجذور التي يتصف بها عالمنا المعاصر، الذي هو عالم يتسم بعدم اليقين المعرفي والجيو سياسي، وتتغير فيه هياكل القوة في النظام الدولي، وتبرز فيه اتجاهات قيد التشكل، ومقدمات لم تتبدَ نتائجها بعد؛ لذا فقد كان الكتاب بمنزلة جراحة فكرية مكثفة، تسعى لتطبيق «نقد قوي» على الأيديولوجيات السياسية والأطر المعرفية والمقومات الجيو سياسية التي تحكم نظرتنا لأنفسنا والعالم والواقع.

الفكرة المركزية

إن التحدي الأساسي الذي يتناوله الكتاب، يتلخص في معضلة «خلو العرش»: فالأطر السياسية والفكرية القديمة فشلت بشكل قاطع في وقف العدوان، ولكن لم يتم بعد تشكيل نظام جديد متماسك وقابل للتطبيق بشكل كامل.

إن الافتراض الأساسي الذي قام عليه الوضع الإقليمي قبل السابع من أكتوبر/ تشرين الأول، استند إلى عدد من الأسس أبرزها: أن الاستقرار يمكن أن يُبنى على البرجماتية الاقتصادية، وتهميش القضايا الحيوية مثل:الحقوق الفلسطينية، وعزل الأيديولوجيات عن المشهد السياسي.. إلخ. إلا أن هذه الأسس قد تحطمت بقوة بسبب طوفان الأقصى. إن هذه الهشاشة، التي كشفتها الإبادة الجماعية الممنهجة في غزة، أعلنت النهاية الحاسمة للهيكل الأمني الإقليمي القائم، والخطاب السياسي الذي دعمه، وخاصة جهود التطبيع كما برزت في “اتفاقيات إبراهام“.

وعلاوة على ذلك، كشفت محرقة غزة عن تراجع النظام الدولي الليبرالي الغربي، وإفلاسه الأخلاقي وعجزه عن فرض قواعده الخاصة في مواجهة المصالح الاستراتيجية لحلفائه الأقوياء. يتناول الكتاب أهمية الحاجة إلى فهم كيف تؤدي هذه الأزمة إلى حالة مطولة من الفوضى الهوبزية، حيث تؤكد القوى الكبرى على مصالحها السيادية غير المقيدة، وتنهار الثقة في المؤسسات الدولية.

إن جوهر المشكلة يتلخص في السؤال السياسي المحوري الشامل الذي بات ملحًّا في هذا العصر: مَن يملك الحق في تعريف “الحياة الطيبة”؟ هذا السؤال، بحسب الفيلسوف السياسي ألكسندر ليفيفر، هو «الجوهر» الذي يحدد طبيعة الحكم السياسي، والذي يتجلى فيه الصدام بوضوح بين المثال الليبرالي المتلاشي للدولة المحايدة اللا أدرية التي تُعزز استقلالية الفرد، وبين الحركات غير الليبرالية/ ما بعد الليبرالية الصاعدة، التي تدعو الدولة إلى فرض رؤية أخلاقية مشتركة ومحددة لـ«الصالح العام». في هذا السياق تصبح غزة بوتقة، حيث يتم تحفيز وتكثيف الجدل حول الإجابات المتنافسة على هذا السؤال والصراعات الأيديولوجية الناتجة عنه بعنف.

إن الطموح الفكري للكتاب هو تسليط الضوء على هذه الأزمة الفكرية الراهنة، وتعزيز مرحلة جديدة من التفكير النقدي الجذري الذي يعيد إرساء النضالات العربية، وخاصة القضية الفلسطينية، في طليعة الصراع الفكري والسياسي

اسم المؤلف : هشام جعفر

اسم المترجم :

دار النشر : مدارات للابحاث والنشر

In stock

SKU: 14442 Categories: , ,
Reviews (0)

Reviews

There are no reviews yet.

Be the first to review “عالم ما بعد غزة”

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *